حسن الأمين

306

مستدركات أعيان الشيعة

الأسعد ابن عبد اللطيف نفسه حملوا عبد اللطيف على زيارة بشكوف مما كان يعتبر توبة عما جرى ! . . ولكن كان المقصود من الحركة قد حصل واهتزت هيبة بشكوف وأمكن إيجاد معارضة مناهضة للفرنسيين . مرة أخرى مع عبد اللطيف الأسعد تلقيت وأنا في دمشق رسالة من عبد اللطيف الأسعد يرجوني فيها أن أحضر إلى بيروت لمقابلته لأمر هام ، وقد أكد هذا الرجاء كل التأكيد . وعين لي المكان والزمان الذين ألقاه فيهما . فكان لا بد لي من الذهاب إلى بيروت لأرى ما ذا يريد عبد اللطيف . ووصلت في الوقت المحدد ، فوجدت عبد اللطيف الأسعد وابنه أحمد ومعهما رجلان آخران إخوان هما ( ر . ب ) و ( م . ب ) ، فتعجبت من التقاء هؤلاء الأربعة في مكان واحد مع أن لا رابطة بين الرجلين الأخوين وبين عبد اللطيف وابنه ، ولكن عجبي زال حين بادرني عبد اللطيف بقوله : أنه لا ينسى الأيام التي صحبته فيها والتي كانت مشرفة له ، وأنه لا ينسى ما بذلته من جهد في سبيله لذلك فقد عزم على أن أكون وكيله ووكيل شركائه فيما يريدون بيعه من أراض شاسعة واسعة ، ثم شرح الأمر قائلا : لقد عزمنا على بيع المنارة وهونين وما يلي ذلك من مساحات ممتدة من قمة الجبل حتى سهل الحولة إلى شركة صهيونية وأن هذين الحاضرين هما السمساران . ولما كان مالكو الأرض هم عديد من الشركات ورثوها عن جدهم خليل الأسعد ، كما يشاركهم في بعضها آل الخوري ، لذلك طلبت الشركة أن يوكل الجميع وكيلا عنهم يجري معاملات البيع باسمهم ويقبض باسمهم ويسجل باسمهم . وأنه ( أي عبد اللطيف ) قد طلب من جميع الشركاء أن أكون الوكيل لائتمانه إياي ، ووفاء لي على ما عملته من أجله ، وأنه أصر على أن لا تكون أجرة هذا التوكيل هي ما تعورف عليه ، بل تكون مبلغا كبيرا ، وأن السمسارين قد قبضا عربونا لهذا البيع وسيدفع لي حالا هذا المبلغ من أصل العربون المقبوض . وهنا قال أحد السمسارين أن المبلغ عنده وإني أستطيع أن أقبضه متى شئت . وكنت في ذلك الوقت في ضيق مالي شديد اضطررت معه لأن أستدين نفقات السفر إلى بيروت من أحد أصدقائي الدمشقيين . ولكنني لم أكد أسمع هذا القول من عبد اللطيف الأسعد ومن السمسار حتى انتفضت غاضبا وصحت في الحاضرين : إني لا أسمح لنفسي بان أقيم لحظة واحدة في هذا المجلس الدنس . ثم خرجت . وبسبب رفضي قبول التوكيل تردد عبد اللطيف في اختيار وكيل آخر وظل في تردده أكثر من شهر ، ثم إذا به يصاب بشلل في جنبه فينقل إلى المستشفى ولا يلبث أن يموت . وبعد موته أقنع ابنه أحمد الورثة بان يكون هو الوكيل عن الجميع ، وهكذا كان ، فباع باسمه واسم موكليه تلك الأراضي للصهاينة ( 1 ) وبعد استقلال لبنان سنة 1943 وخروج الفرنسيين منه أصبح أحمد بائع الأرض للصهاينة وزيرا في الوزارات التي كان يؤلفها رياض الصلح وغيره ، ثم أصبح رئيسا للمجلس النيابي . كما أصبح أحد السمسارين الأخوين وزيرا عدة مرات ، ينادى باسمه بين الزعماء . كما كان أحمد الأسعد نفسه في إحدى المرات عضوا في الوفد اللبناني الذي ذهب برئاسة رياض الصلح لحضور أحد اجتماعات الجامعة العربية التي كانت تعقد في القاهرة للبحث في شؤون فلسطين المغتصبة من الصهاينة . في العراق العام 1938 كان الشيخ محمد رضا الشبيبي وزيرا للمعارف العراقية في وزارة جميل المدفعي التي ألفها بعد اغتيال بكر صدقي وسقوط وزارة حكمت سليمان . وقد كان وجود الشبيبي في وزارة المعارف عاملا في انتقالي إلى العراق للتدريس في معاهده . وكان لا بد من هذه الخطوة . فانا عندما دخلت معهد الحقوق في الجامعة السورية لم يكن في ذهني العمل في المحاماة بعد التخرج لعدة عوامل منها : أن المحامات يقتضي التفرغ لها تفرغا كاملا مما كان سيشغل كل أوقاتي فيصرفني عن تنفيذ ما كنت أشغل به ذهني من البحث التاريخي بعد أن استهواني هذا البحث كل الاستهواء . ومنها أن التفوق في المحاماة في لبنان كان لا يمكن لمن لا يجيد اللغة الفرنسية ، فان كثيرا من الأحداث كان أمر الفصل بها يعود إلى ما سمي بالمحاكم المختلطة ، وهي المحاكم التي تتالف من قضاة فرنسيين ولبنانيين ويرئسها الفرنسيون ومنها محكمة التمييز ، والمرافعات في هذه المحاكم باللغة الفرنسية التي كانت معتبرة لغة رسمية في جميع دوائر الحكومة حتى في مجلس النواب . ومعنى ذلك أن المحامي الذي لا يجيد اللغة الفرنسية لن يكون في الصفوف الأولى من المحامين ، وأن ذلك محصور بخريجي معهد الحقوق في الجامعة اليسوعية في بيروت ، ولم يكن بامكاني التسليم بالقيام بعمل لا يكون باب التفوق فيه مفتوحا أمامي . ومنها أن طبعي بعيد عن الانغماس في مشاكل الناس وخلافاتهم والانشغال بخصوماتهم ، وهي خصومات يبعثها التكالب المادي ، وأنه إن صح أن المحامي يستطيع أحيانا أن ينقذ بريئا أو يرد حقا سليبا فإنه في كثير من الأحايين سيدافع عن مجرم وسيناصر ظالما ويدعم مغتصبا . ولم أكن أحتمل أن يكون عماد حياتي قائما على هذا الأساس . وكنت أتذكر دائما ما رواه ( اتلي ) أحد رؤساء حزب العمال البريطاني ومترئس وزاراته من أن الذي صرفه عن المحاماة بعد أن كان قد بدأ العمل فيها ناجحا ، أنه في أوائل عهده في المحاماة دافع عن متهم بجناية كان قد أقنعه بأنه بريء واستطاع تبرئته مما اتهم به ، ثم تبين له أن صاحبه مجرم عريق في الاجرام . لهذا كله لم يكن في ذهني أن أعمل محاميا ، وفي الوقت نفسه كانت الأبواب الأخرى مسدودة أمام أمثالنا في عهد الانتداب الفرنسي ، ولم يكن في إمكاني الانصراف إلى ما يستهويني من الدراسات والبحوث لا سيما

--> ( 1 ) كان معظم هذه الأراضي داخلا ضمن فلسطين ، ومساحة منه ضمن لبنان ، وكانت إسرائيل لم تقسم بعد ، وكان هم الصهاينة شراء أقصى ما يستطيعون شراءه من الأرض العربية . ولما قامت إسرائيل بعد ذلك وأريد تحديد حدودها مع لبنان أصر اليهود على أن تكون حدود دولتهم على مستوى الأرض التي اشتروها مما هو داخل في لبنان وبذلك استولوا على ما يقرب من ثلث أراضي قرى : عديسة ، ومركبا ، وحولا ، وميس ، وبليدا ، وعيترون ، استولوا عليه اغتصابا بحجة تسويه الحدود . كل ذلك بسبب ما ارتكب أحمد الأسعد .